ابن هشام الأنصاري
21
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
والثاني : بيان الجنس ( 1 ) ، نحو : مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ( 2 ) والثالث : ابتداء الغاية المكانية باتفاق ، نحو : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ( 3 ) ، والزمانية ، خلافا لأكثر البصريين ( 4 ) ، ولنا قوله تعالى : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ( 5 ) ، والحديث
--> ( 1 ) أكثر ما تقع ( من ) التي لبيان الجنس بعد ( ما ) و ( مهما ) لفرط إبهامهما ، نحو ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ ، وقد تقع بعد غيرهما نحو قوله تعالى : وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ ونحو الآية التي ذكرها المؤلف ، والشاهد فيها في ( من ) الثانية ، فأما الأولى فقيل : إنها زائدة ، وقد أنكر جماعة من النحاة مجيء ( من ) لبيان الجنس ، وقالوا : من في مِنْ سُنْدُسٍ وفي مِنْ ذَهَبٍ للتبعيض . ( 2 ) سورة الكهف ، الآية : 31 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 1 . ( 4 ) اعلم أن محل النزاع بين النحويين إنما هو في مجيء ( من ) لابتداء الغاية الزمانية ؛ فأهل الكوفة يثبتونه ، وأهل البصرة يمنعونه ، وأما ورودها لابتداء الغاية في المكان والأحداث والأشخاص فلا خلاف فيه ، وقد استدل الكوفيون على مجيئها لابتداء الغاية في الزمان بقوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ولا شك أن أَوَّلِ يَوْمٍ من الزمان ، وكذا قوله تعالى : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وبالحديث الذي ذكره المؤلف ، وببيت النابغة الذي ذكره أيضا ، وسيأتي القول عليه ، ويقول زهير بن أبي سلمى المزني : لمن الدّيار بقنّة الحجر * أقوين من حجج ومن دهر وزعم البصريون أن ( من ) في الآية الأولى لابتداء الغاية في الأحداث ، وأن التقدير : من تأسيس أول يوم ، وذهبوا إلى أن ( من ) في الآية الثانية للظرفية ، لا للابتداء ، وقدروا مضافا في الكلام لتكون ( من ) لابتداء الغاية في الأحداث ، أي : من صلاة يوم الجمعة ، وكذلك فعلوا في بيت النابغة ، فقدروه : من استمرار يوم حليمة ، وأنكروا رواية بيت زهير ، وذكروا أن الرواية الثابتة الصحيحة * أقوين مذ حجج ومذ دهر * وستأتي للمؤلف ( الشاهد رقم 300 ) ، ولئن سلمت رواية الكوفيين فيه فإن تأويلها ممكن ، ومما أولوها به تقدير مضاف ليكون ( من ) لابتداء الغاية في الأحداث ، أي : من مرور حجج ومرور دهر ، أو تقدير ( من ) تعليلية ، أي : أقوين من أجل مرور حجج ومرور دهر ، والظاهر من عبارة المؤلف في المغني اختيار مذهب البصريين ، خلافا لما اختاره هنا . ( 5 ) سورة التوبة ، الآية : 108 .